ابن أبي أصيبعة

26

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وكان العمل داخل معهد العلوم لا يخضع إلا لإشراف الملوك وحدهم ويكاد يكون غير معروف للعامة . ولذلك كانت حرية البحث تامة ولقد زاد تلك الفرصة الممتازة امتيازا وجود رجلين عبقريين فنتج عن ذلك عصر ذهبي للتشريح هما هيروفيلوس الخاليكيذيسى « 1 » . وارازيستراتوس اليوليسى الذي كان معاصرا لهيروفيلوس ، الخاليكيديسى ومن المحتمل أنه كان تلميذا له أو على الأقل مساعدا له في دراساته التشريحية « 2 » .

--> ( 1 ) هيروفيلوس من أعظم علماء وأطباء مدرسة الإسكندرية حوالي 300 ق . م . من أقواله « إن الطبيب الماهر هو الذي يعرف أن يفرق بين ما يمكن وما لا يمكن عمله » ويقول عنه جورج سارتون في كتابه تاريخ العلم ج 4 ص 239 وص 240 ولد هيروفيلوس في « خلقدونية » في أواخر القرن الرابع وكان أحد العلماء الذين اجتذبهم « بطليموس سوتر » إلى الإسكندرية في أوائل القرن التالي ، لهذا يكون هيروفيلوس أحد مؤسسي النهضة اليونانية المصرية كما أنه هو مؤسس . التشريح النظامى ، وكشوفه تبلغ من كبر العدد ومن سعة المدى حدا لا يستطيع المرء معه إلا أن يحكم بأنه قام بفحص تفصيلي لتركيب الجسم البشرى كله . ومن الواضح أنه إذا ما أتيح لباحث قدير عدد كاف من الجثث مع حرية تشريحها بقدر ما يراه ضروريا لكان خليقا به أن يكشف عن أشياء كثيرة ، ولقد كان لدى هيروفيلوس ومساعده ، وخليفته الأصغر منه - إرازيستراتوس - تلك المزايا التي يتمتع بها الرحالة الذين يكونون أول من يتوغل في أرض جديدة . ونحن لا نعرف إلا القليل عن حياة « هيروفيلوس » قبل استجابته لدعوة بطليموس فيما عدا أنه كان تلميذا لبراكسا جوراس الكوسى الذي ربما كان معاصرا أصغر « لديوكليس الكاريسنى » ( حوالي 340 - 260 ق . م ) . وعلى حسب ما يقول جالينوس كان هيرفيلوس أول من مارس التشريح البشرى ، ومن الصعب علينا قبول هذا القول على علاته فمن الجائز أن يكون جالينوس قد عنى التشريح العلني ( وأمام جمهور صغير بالطبع ) أو أن يكون قد عنى التشريح النظامى مع المساعدين والتلاميذ ولما كان هيروفيلوس رائدا كان عليه أن يخترع طريقة التشريح ، وكان مضطرا كلما اكتشف عضوا جديدا أن يضع له اسما ، ولقد ورد إلينا معظم هذه الأسماء الجديدة عن طريق جالينوس ، وهكذا تكون كتابات جالينوس هي أول موضع لظهورها مكتوبة . ولقد كتب هيروفيلوس رسالة من ثلاثة أجزاء عن التشريح ورسالة منها عن العيون وكتب مذكرة للمولدات . ويقول . جورج سارتون أيضا ص 249 المرجع المذكور وعلى قدر ما نعرف كان « براكساجوراس » أول طبيب يوناني يفحص النبض ويفيد منه في التشخيص ، ولقد أدخل « هيروفيلوس » تحسينا على هذه النظرية مستعملا ساعة مائية لقياس سرعة النبض لمعرفة الحمى عن هذا الطريق ، ولقد تبين له أن قوة النبض تدل على قوة القلب ، وكانت دراسته للأمراض تقوم على المشاهدة والتجربة ، ولقد حسن طرق التشخيص والإنذار ، وأدخل أدوية جديدة عديدة ، وكثيرا ما كان يلجأ إلى فصد الدم . وكان هيروفيلوس يرى أن الجنين ذو حياة فيزيقية فقط وليست هوائية ولقد اخترع قاطع جنينى لتقطيع الحمل داخل الرحم ، وهو آلة استعملها المولدون القدامى في الحالات الميئوس منها ، وعلى غرار من سبقوه من الأطباء اليونانيين كان هيروفيلوس يعلق كثيرا من الأهمية على التغذية والرياضة . ( 2 ) يقول سارتون في تاريخ العلم ج 4 ص 241 وص 242 ولدا إرازيستراتوس حوالي 204 ق . م . في يوليس ( كيوس ) على مقربة من أرض « أتيكا » . لهذا فهو ليس يونانيا من آسيا وإنما هو يوناني من بلاد اليونان ، وكان طبيعيا بالنسبة إليه أن يتلقى تعليمه في « أثينا » وكان معلموه هم مترودورس صهر أرسطو وخريسيبوس من أبناء سولوى . وإزاريستراوتوس واصل بحوث هيروفيلوس ، ولكن كان أكثر منه اشتغالا بالفسيولوجيا وبتطبيق الأفكار الفزيائية ( مثل نظرية الذرة ) في سبيل فهم الحياة . وكان إرازيستراتوس نظريا أكثر مما كان هيروفيلوس ، ومن المحتمل أن يكون قد تأثر بستراتون . وإذا نحن سمينا هيروفيلوس مؤسس علم التشريح فربما جاز أن يسمى إرازيستراتوس مؤسس علم الفسيولوجيا وهو -